بـ100 راجل

أم طارق..مناديل لاتمسح الدموع لكنها حياة!

أم طارق..مناديل لاتمسح الدموع لكنها حياة!
عمرو الأنصاري

عمرو الأنصاري

شارك

إذا كنت قد مررت بجامعة القاهرة، أو قادتك خطواتك نحوها، لابد أن تعرفها بملامحها السبعينية، ووجهها الذي ترك الدهر عليه علاماته، وتجاعيده التي تختفي  خلف ابتسامة لا تفارقها برغم كل شيء.

أم طارق أشهر بائعة مناديل في هذه المنطقة، تبدأ يومها في الصباح الباكر سعيًا وراء رزق يكفل لها، ولحفيداتها الحياة .

"20" عاما مرت على جلوسها في هذا المكان تبيع المناديل للطلاب الذين  تربطهم بها علاقة ودية جيلاً بعد جيل، فيكفونها حاجتها.

تتذكر أم طارق يوم موت زوجها -عائل الاسرة- مخلفًا لها "6" أطفال بينهم فتاتين، ذلك اليوم الذي أحست فيه بالعجز، قبل أن تبلع أحزانها، وخوفها ، وتنتفض لسد جوع أطفالها .

أعوام من الجهاد في سبيل لقمة العيش، نجحت فيها في تحرير أبنائها  من الفقر والجهل. تخرج اثنان من أبنائها من كلية التجارة، أحدهما يعمل في بنك والآخر يعمل في شركة عمر افندي، والثالث "حصل على دبلوم" وعمل سائقًا بعد أن علمته كيف  يكسب قوت يومه  بالحلال.

أدركت تلك السيدة الصعيدية "غير المتعلمة" التي قدمت من أسيوط منذ سنوات طوال مع زوجها أن التعليم يرفع بيوتًا لاعماد لها. علمتهم جميعا ولم تفرق بين ولد وبنت، وزوجتهم جميعا بما فيهم ولدها الرابع الذي اختطفه الموت "بجلطة" مخلفًا لها "4" فتيات في عمر الزهور، هجرتهن أمهن ليضاف إليهن بعد يتم الأب يتمًا جديدًا بغياب الأم.

لم تكن المسئولية الجديدة الملقاة على عاتق تلك السيدة العظيمة همًا وحَزَنًا، بل كانت شفاء من ألم الفراق ..فراق من غيبه الموت، وفراق من غيبتهم ضمائرهم وجحودهم.

أبنائها الخمسة هجروها، ورحلوا إلى مسقط رأسهم في محافظة أسيوط، تاركين أمهم العجوز التي صنعتهم بسنوات عمرها التي أُفنت تواجه مصيرها  هي وبنات أخيهم المتوفي.

تقول أم طارق : " بقالهم سنين ماشفتهمش، ولا سألوا عليا، هما بيتصلوا بيا عند الجيران كل فين، وفين، ولما برد عليهم مابسمعش هما بيقولوا ايه، وبلاقي السكة اتقفلت !..بس أنا مسامحاهم "

تعيش بائعة المناديل "أم طارق" في شقة ايجار في منطقة بولاق ارتفع إيجارها مؤخرًا إلى" 1200 جنيه"  بصحبة بنات نجلها المتوفي، اللاتي تتولى رعايتهن، والصرف عليهن لاستكمال تعليمهن ايضا. إحداهن التحقت بكلية الآداب جامعة اسيوط، والأخرى تدرس في الثانوية العامة، بينما تدرس الفتاتان المتبقيتان في سنوات التعليم الاساسي .

حمل ثقيل تحمله سيدة عجوز على كتفيها المنهكة، وهي تقول وكل قسماتها تنطق بالرضا الذي يخجل الجميع : " أنا مبسوطة، وراضية، وبشكر ربنا لأنه بعتلي البنات دول أربيهم وأدخل بيهم الجنة" !

بخبرة السنين أدركت أم طارق تأثرنا بحكايتها فقررت أن تتقمص دور المذيع، وتغير الدفة لتكشف لنا عن جوانب أخرى في شخصيتها  قالت لنا :

"بنات الجامعة اليومين دول اتغيروا عن  زمان.. تقولها بابتسامة ثم تستطرد: زمان كان جمالهم رباني، ولبسهم حلو بس دلوقتي البنات بقوا عاملين زي البيلياتشو من كتر المكياج اللي حاطينه، ولبسهم وحش بس أنا بعرف أفرزهم " .

قبل أن تتوجه بحديثها لأحد زملائنا قائلة له :

"انت ياواد حليوة وعسول..خد بالك للبنات تعاكسك "

لتتعالى الضحكات من القلب يصاحبها كلمة أخيرة من أم طارق: "ابقوا اسألوا عليا ياولاد".

تنويه: شاء القدر أن تتوفى أم طارق قبل نشر قصتها، ذهبت إلى عالم آخر أحبته وعملت من أجله..رحمها الله.

 

شبيك لبيك