الحكاية فيها انت

كلنا جونتر بارش !

كلنا جونتر بارش ! صورة أرشيفية
حمادة حسين

حمادة حسين

شارك

" جونتر بارش" كان يمثلني، أنا وكثيرون غيري من ضحايا الاسطورة الألمانية شتيفي جراف، أولئك الذين هاموا فيها عشقًا وتوحدًا

 كلنا تلك اللحظة شاركنا " جونتر بارش" طعن " مونيكا سيليش  بالسكين، حين استبد بنا اليأس من أن تستطيع جراف وهي المصنفة

الأولي عالميًا و"توب فورمة" مجاراة المراهقة بنت 16 سنة مونيكا سيليش.

كلنا كنا نتمني إزاحة مونيكا من طريق جراف أيًا كانت الطريقة، ووحده تكفل  بالتنفيذ ، قال في التحقيق :

لم أكن أريد قتل "سيليش" بل اصابتها بشكل طفيف لابعادها عن منافسة شتيفى التى أحبها ولا أتخيل غيرها كمصنفة أولي .  

فبراير  93

بين كل عشرة واثقون من فوز مونيكا سيليش بلقب استراليا المفتوحة، يوجد واحد يرشح -علي استحياء- جراف للفوز، ليس

ثقة في تفوق جراف إنما لأنه يري استحالة أن تنجح مونيكا في تكرار سيناريو آخر ثلاث سنوات ، النهائي جمع البطلتين ونجحت

جراف في سرقة المجموعة الاولي 6- 4 ، يرتفع مؤشر ترمومتر الأمل في أن يكسب توقع ال 1% ،  المجموعة الثانية كانت من

طرف واحد حسمتها مونيكا 6- 3، والثالثة كانت ألعن وحسمتها مونيكا  6- 2، كانت هناك نقطة وصل تبادل الكرة بين اللاعبتين

فيها إلي 40 مرة، كانت مونيكا تنقذ نقطة كسر الشوط ومعروف أن أعصاب اللاعب أو اللاعبة في مثل هذا الموقف لا تحتمل

التبادل، مونيكا ردت الكرة 19 مرة علي "بك هاند" جراف ثم أنهت النقطة بـ شوطة قوية علي الفورهاند.

 من أين لها بقوة الأعصاب هذه ، خاصة وهي تلمس أن لا أحد يتعاطف معها، أو يريد لها الفوز.

فازت مونيكا بأول بطولة جراند سلام في السنة ويبدو أن السيناريور سيتكرر للسنة الرابعة علي التوالي، ستفوز مونيكا بثلاث بطولات

جراند سلام من أصل 4،  و7 أو 8 بطولات ماسترز ، وتنكل بكبارات اللعبة خاصة المصنفات العشر الأوائل، أرانشا سانشيز، وجينفر

كابرياتي، ودافنبورت، وجابريلا سبانتيني، ستحافظ علي صدارة التصنيف العالمي وتؤكد لقب "سيدة التنس".

مونيكا كانت بطلة بلا فانز ، جمهور التنس اجمالا لا يحتملها رغم براءة سنها وطفولة ملامحها، كانوا موزعين علي المصنفات العشر

الأوائل، ومونيكا دخلت عليهن "دخلة ابراهيم الابيض منطقة عبدالمالك زرزور ، انك لميت وانهم لميتون"، الفارق أن مونيكا لم تجد

من يردعها .

في نهائي بطولة أمريكا المفتوحة 91،  مونيكا سيليش افترست مارتينا نافراتيلوفا 7 – 6، و6 – 1، وفي آخر ثلاثة أشواط لم تفز

مارتينا بنقطة واحدة، سقوطها أمام مونيكا كان مدويًا، الجمهور لم يمرر ذلك، صفق لمونيكا ببرود محرج "برو عتب" وجعل من

مارتينا عروس النهائي.

ربما تكون مشكلة مونيكا أنها آتية من بلاد الكراهية ومذابح التطهير العرقي – صربيا ، يوغسلافيا- ، تعرّضت لتهديداتٍ بالقتل من

قبل جهاتٍ وأشخاصٍ مجهولين، على خلفيّة موقفها من الحرب الأهليّة، خاصةً مع احتفاظها بجنسيّتها الأصليّة الي جوار الجنسية

الأمريكية، تمامًا كما حدث مع نافراتيلوفا التشيكية. هذا ماجعل التكنهات تتهم " جونتر" بأنه مندوب هذه الجهات في تصفية مونيكا.

مارس 93

لايوجد أي شئ يلفت الأنظار، الملعب كما هو معتاد يشبة جدرية فنية، الجمهور كما هو تجسيد للإيثار والتحضر، مونيكا كما هو متوقع

متقدمة علي البلغارية "ماغي ماليفا"  بمجموعة ، و4 – 3 في المجموعة الثانية، أي أنها علي بعد شوطين للفوز بالمباراة والمرور

إلي نصف نهائي بطولة هامبورج الألمانية، وإذا مر نصف النهائي دون مفاجأت ستلاقي جراف في النهائي.

فجأة يحدث توتر وارتباك، لا أحد ممن يشاهد المباراة يفهم ماحدث، بعد دقائق ستكشف الكاميرات أن شخصًا ما  نزل إلي حيث تستريح

مونيكا استعدادًا لخوض آخر شوطتين في المباراة ويطعنها بسكين .

حدث مثل ذلك كان يستحيل تخيله في عالم التنس الذي تتوقف مبارياته إذا تحدث أو تحرك أحد من الجمهور، هذه اللعبة دليل حي علي أن

الانسان يمكنه أن يشجع وينحاز ويحافظ علي درجات الرقي، ليس غريبًا ولا مفاجئًا أن تقلب الحادثة الدنيا، وتحصل علي لقب الأسوأ في

تاريخ اللعبة. 

إصابة سيليش – حسبما قال الطبيب ل "BBC" - خطيرة،  العناية الإلهية وحدها أنقذتها من موتٍ محقق، فالطعنة  جانبت الرئتين.

فعلها " جونتر بارش"، 40 سنة ، ألماني الجنسية  لم يتقبل إزاحة ابنة بلده "جراف" من القمة بهذا الشكل المذل، جراف هي أكثر لاعبة

تنس في التاريخ  قربًا من الكمال، 13بطولة جراند سلام ، صاحبة الرقم القياسي في تصدر التصنيف العالمي 377 أسبوع، 186 اسبوع

منها توالي ، أول لاعبة تفوز بكل بطولات الفردي في الجراند سلام أربع مرات على الأقل، فازت بذهبية أولمبياد سول 88، وفي السنة

ذاتها فازت ببطولات الجراند سلام الأربعة في سنة عظمي ، أي بدأت باستراليا المفتوحة وانهت بامريكا المفتوحة، الفوز بالجراند سلام

الأربعة على التوالي بترتيب مخالف يخلع العظمة عن السنة والانجاز.

هذا الانجاز يعد درة تاج التنس، لم يحققه في تاريخ اللعبة في فردي الرجال إلا اثنين فقط هما "دون بدج" 1938 ، و "رود لافر" مرتين ،

62 و 69 ، واثنتين في فردي السيدات هما "ماورين كونولي" 53 ، و "مارجريت سميث" 70  قبل أن تحصل جراف العضوة الثالثة.

مونيكا كانت علي بعد نهائي واحد من العضوية الرابعة في 92 لكنها خسرت نهائي ويمبلدون أمام جراف .  

حين طعنت مونيكا كان عمرها 19 سنة ، وعمرها في الملاعب 3 سنوات فقط حصلت فيها علي 31 بطولة ، 8 منهم جراند سلام ،

وال 8 كانوا توالي ، وتتصدر التصنيف العالمي اخر سنتين ، وتسيدت ملاعب التنس بانواعها الاربعة.

الحكم علي " جونتر" صدم مونيكا، التحريات قالت أنه كان يعاني في الفترة الأخيرة من البطالة والوحدة، الأمر الذي أدّى إلى إصابته

بنوبات اكتئابٍ حادّة، أثّرت على قدراته العقليّة، وعليه لم تنظر المحكمة للفعل علي أنه شروع في قتل وإنما اعتبرته  نوبة عاطفية

حادة، حكمت علي "بارش" بسنتين سجن مع ايقاف التنفيذ ووضعته تحت المراقبة.

حياة سيدة التنس ستتغير للأبد - وفق توصيف إندبندنت - ، الإصابة تركت  أثر نفسي وجسدي عميقً على مونيكا، مخاوف وهواجس

أرغمتها على الابتعاد والتلاشي إلى درجة أنّ كثيرين لم يدركوا أنّها ما زالت على قيد الحياة، ستغيب  27 شهر، ستعود خلالها جراف

لصدارة التصنيف العالمي، وترفع رصيدها في الفوز ببطولات الجراند سلام إلي 22 بطولة، وكان الرقم القياسي حتي كسرته سيرينا

ويليامز قبل سنتين .

عادت مونيكا إلي الملاعب وستفوز حالاً ببطولة استراليا المفتوحة 96، ستهزم نجمات الصف الأول بما فيهم جراف، وسترفع رصيد

ألقابها إلي 53، لكنها لم تعد نفس اللاعبة، كأن عودتها كانت محاولة لمواجهة أثار الطعنة فقط. أما شغفها بالتنس فقد انتهي

تمامًا، فهي لم تشارك عملياً إلا في لقاءاتٍ استعراضيّة خيرية .

مارس 2008

المعجزة التي حققتها مونيكا سيليش في ثلاث سنوات فقط ، بدأتها بانفراد تاريخي، فهي أصغر لاعبة في تاريخ التنس تفوز بلقب  

رولان جاروس، كان عمرها 16 سنة، وواصلت بأن كانت أول لاعبة تفوز بثلاثة ألقاب متتالية في البطولة نفسها منذ سنة 1937،

قوتها علي الملاعب الترابية وبدايتها مع رولان جاروس كانت واعدة ومبشرة باحتكار البطولة ، لكن طعنات "جونتر" أوقفت المسيرة .

في 2008 اعتزلت التنس نهائيا، وفي نفس السنة كان نادال يحقق انجازها بالفوز ببطولة رولان جاروس للمرة الثالثة على التوالي،

طريقة لعب نادال تشبه إلي حد كبير طريقة مونيكا، كأنه النسخة الرجالي منها، وهي نسختة النسائية، كلاهما يلعب باليد اليسري

ويعتمد علي الدفاع من الخط الخلفي وإرهاق المنافس بالتبادل الطويل، كلاهما يمتلك قوة نفسية هائلة لاتنهار أبدًا مهما كان

الضغط . نادال واصل مشوار مونيكا واحتكر رولان جاروس، بالامس فاز باللقب 11 وهو رقم قياسي، كان لـ مونيكا أن تحققه

أو تقترب منه لولا طعنات "جونتر".

 

شبيك لبيك