الحكاية فيها انت

الحلقة الثانية : سعادة المستشار الفشار !

الحلقة الثانية : سعادة المستشار الفشار ! صورة أرشيفية
أحمد باجا

أحمد باجا

شارك

زي أي شاب مقبل على الحياة الجامعية كانت مسيطرة على ذهني صورة كريم عبد العزيز في "الباشا تلميذ". كنت فاكر إني الواد

الروش اللي هيلفت الأنظار، وينتصر في خناقة مع شبح الجامعة ويكسب قلب غادة عادل، ويعيش معاها قصة حب باقي سنين

الكلية، لكن هيهات إن الفكرة دي تصمد في مشوار "الكيلو" اللي كنا بنمشيه من بوابة الجامعة لغاية كلية الحقوق، نص ساعة

تحت شمس قنا "عذاب النار"، كانت كفيلة تضيع شقا الصحيان بدري وتلميع الجزمة، وتحول أي طالب قرر يخوض التجربة

لشاب أشعث أغبر.

اكتشفت ان طباع المجتمع الصعيدي مسيطرة إلى حد كبير جوه الجامعة، وان الطالبات تقريبًا لسه مغادروش مدارسهم الممنوع

على الذكور الاقتراب منها، ولا مدنهم اللي مايقدروش يخرجوا فيها مع ولاد عمهم.

بصة احتقار من زميلة في كلية حقوق كانت عقابي على سؤالي ليها عن مدرج سنة أولى، كانت عينيها  بتتكلم: "مش تبطلوا بقى

قلة الأدب دي".

الحلم انهار لما دخلت المدرج وشفت الولاد منفصلين عن البنات في المدرج، وكل فريق منهم خائف من التاني وبيبعد عنه بعد

الناس عن المرض المعدي!

لحظة تبادل كشكول المحاضرات "التاريخية" ذهبت أدراج الرياح، والقلم الفسفوري اللي اشتريته علشان اكتبلها بيه رقمي كان

من حظ ونصيب  عم سعد الفراش !، لكن احقاقًا للحق بمرور الوقت اكتشفت الوجه الآخر لكثير من زميلاتي في كلية الحقوق،

شخصيات "Strong independent woman"  متقمصات دور "الافوكاتو مديحة" من السنة الأولى حتى في ملابسهن

"الفورمال".  على صعيد الدراسة، المسألة تخطت مفهوم كسر التابوهات ووصلنا لمرحلة انهيار الثوابت، مكنتش مصدق وداني

لما سمعت إن السجن المؤبد  مش خمسة وعشرين سنة ده سجن مدى الحياة، انصدمت لما عرفت إن الاعتراف مش سيد الأدلة

وممكن دليل تاني يكون أقوى منه، اتفاجئت بأن القانون بيحمي المغفلين عادي، الموضوع كان مفيد على المستوى الثقافي

والعلمي. الدراسة كانت منفتحة على مجالات تانية كتير، علم النفس مثلاً ودراسة السلوك الإجرامي والعوامل السيكولوجية اللي

بتدفع المجرم لارتكابه الجريمة، و ازاي ممكن تتعرف على المجرم من طريقة كلامه أو بعض صفاته البيولوجية، والنقطة دي بالذات

كانت بتطلع المفتش كومبو اللي جوا كل واحد فينا. سيد هريدي زميلنا الملقب بخط الصعيد واللي شكله واسمه بيفوح منه الاجرام

وصلته المحاضرة انه يتهمني باني أنا البنت بتاعة خدمة العملاء اللي بتعاكسه في التليفون لمجرد اني حكيت انه اتعرض عليا شغل

في خدمة عملاء أحد الشركات  في حقوق درسنا علم الاجتماع واتعلمنا  تحليل العلاقات مابين الأفراد وتنظيم القانون ليها، والأهم

اننا اتعلمنا ازاي نستغل العلاقات دي  لصالحنا من خلال ثغرات القانون، عرفنا ان إضافة حرف أو حذفه أو مجرد تغيير تشكيله ممكن

يقلب معنى النص القانوني 180 درجة. محاضرة القانون السياسي(الدستوري) اللي كانت بتحرك عمرو حمزاوي اللي جوانا، ومحاضرة

الشريعة اللي كنا بنتحول فيها  لشيخ من شيوخ الفتة وكانت بتقلب بفتاوي بس في حدود لا تصل إلى إرضاع الكبير!

الكتب كانت مكدسة والمناهج كانت نظرية بحتة وطويلة لدرجة الملل وكان عبور الامتحانات بسلام غاية مثلى بالنسبة لنا.

كنت بفرح جداً لما حد يناديني "يا متر"، أو لما  زملائي في المدينة الجامعية بيحكموني في مشاكلهم بعد ما تحولت غرفتي لقبلة

فض المنازعات لطلاب الجامعة.

كنت بحس بقيمتي لما حد يستقوى بيا واحنا معديين على كمين حتى ولو من باب الدعابة، وكنت دايمًا بتطفل واحشر نفسي في

أي مشكلة في الشارع،

وأنصب نفسي حكم فيها بدون وجه حق، ادمنت  الشكاوي، وصلت لمرحلة إني بصحى من النوم زهقان عاوز اشتكي أي حد.

كنت مفتي الشلة ، والمحلل السياسي والخبير الاستراتيجي في أي حدث على ساحة الرأي العام

كانت بتفرحني معاملة الناس ليا لما أرجع لمدينتي "المستشار راح والمستشار جه"، لكن كل ده كان له أثر سلبي برضه عارفين

لما واحد يلتحي، والناس كلها تبدأ تناديه ياشيخ ويستفتوه في أمور حياتهم وهو لسه ماعرفش يرتب حياته بيعمل ايه؟!

أيوه بالظبط كده الفتي كان طريقي للرد على الاستشارات القانونية اللي كانت بتلاحقني من سنة أولى حفاظاً على "برستيجي"

وعلى لقب المستشاركنت هطرد من السكن الخارجي اللي انتقلت ليه في سنة ثانية بسبب اني افتيت صاحب السكن في مشكلة

تخص قطعة أرض هيشتريها وكانت النتيجة انه اتنصب عليه.  حتى المكوجي  أول ما عرف إني في حقوق طلب مني أكتبله عقد

جواز عرفي، حاولت اقنعه جاهدا إن ده مش دوري ومعرفش أعمل كده لكن لا حياة لمن تنادي، ماسبنيش إلا لما أوهمته ان أهل

البنت عرفوا وانه لازم يصرف نظر عن الموضوع. لكن المشكلة الأكبر اللي علمتني درس لن أنساه لما اشتكالي صديق أحد زملائي

من زوجته وانها مطلعة عينه وطلب مني أساعده وأقوله يحل المشكلة ازاي وكانت نصيحتي ليه بكل بساطة  انه يطلقها، قبل

ما اكتشف انه مسيحي وافقد مصداقيتي قدام الشلة كلها اللي أصوات ضحكهم شككت صاحب السكن اننا شاربين حاجة كم

المعلومات اللي حصلنا عليها في دراستنا في الكلية انهار قدام كلمة خالدة لدكتور-القانون المدني- في إحدى المحاضرات:

"كل اللي بتسمعوه وبنقولهولكم في المحاضرات هييجي اليوم وتضطروا إنكم ترموه ورا ضهركم، والكتب دي هتتحول لديكور

بيزين مكاتبكم، المسافة بين الواقع والقانون طويلة أوي يا ولاد، هتقطع نفسكم في الدنيا وفي الآخرة هتدخلكم النار..كل المحاميين

داخلين النار"..كان بيقولها بنبرة سخرية وضحك، لكنه فجر جوانا كثير من الشك بعد الايمان بمهنتنا

شبيك لبيك