بـ100 راجل

آن سوليفان نبي العميان

آن سوليفان نبي العميان
حمادة حسين

حمادة حسين

شارك

أصابع يد هيلين "6 سنوات" محشورة في فم مخدومتها "10 سنوات"، تكاد تقتلها، هذا ما تفعله هيلين مع أي كائن بخلاف والدتها،

هكذا كانت تبدو تلك اللحظة، كائن بري عنيف وربما متوحش، عصي على الاستئناس والترويض، خطر غبي لو غفلت عنه ثانية تكون

الكارثة. والديها أنفقا أموالاً طائلة على الأطباء وأهل العلم فقط من أجل كبح هذا الهياج الذي يسيطر عليها، لم تكن تهدأ إلا لحظات

انتهاء طعم قطعة الحلوى، لم يبق  أمامهما من حل إلا اثنين أحلاهما مر علقم، إما إيداعها دار رعاية، أو حبسها كمجنونة في غرفة

السطوح، لكنهما لن يفعلا. هيلين ليست متوحشة لكنها ساكنة العدم من خمس سنوات، "لا ترى- لا تسمع – لا تتكلم، كانت طفلة عادية

وأصيبت بحمى قرمزية، نجت من الموت بأعجوبة لكنها فقدت الثلاث حواس، التلامس العنيف هو وسيلتها الوحيدة لكسر العدم، واكتشاف

الناس والأشياء، عندما حشرت يدها في حلق مخدومتها كانت تكتشفها.

                         آن سوليفان                                            هيلين في السابعة من عمرها

 يأسًا وإبراءً للذمة قبل الاستسلام، وافقت أم هيلين على اقتراح مدير معهد "بيركنز" للمكفوفين والمشرف على رحلة علاجها أن

يرسل لها إحدى تلميذات المدرسة يتوسم فيها المقدرة على ترويض هيجان هيلين.

كاثرين - أم هيلين- كانت ترفض هذا الاقتراح، التلميذة صغيرة "20 سنة" عاشتها بين دار الأيتام، ومدرسة المكفوفين، لا خبرات،

ناجية من العمى بـ 9 جراحات في العين، وتعيش في ظله، والد هيلين قالها بقسوة: ما الذي يمكن أن يقدمه أعمى لأعمى، ولم يكن

يعرف أن "إن سوليفان" ليست معلمة، وافق على تجريبها كرامة لخاطر أم هيلين، "آن" نفسها وافقت قهرًا، مدير المدرسة أنهى

وجودها وليس أمامها إلا الشارع أو ترويض هيلين.

 تتداعى المخاوف في رأس آن سوليفان، إعاقة هيلين نادرة، ليس هناك تجارب سابقة يمكن تقليدها، هي تجربة وحيدة لطبيب صاغها

في كتاب وكان نجاحها ضعيفًا جدًا بحيث لا يصح القياس عليها أو تقليدها، ثم ماذا لو كانت هيلين محدودة الذكاء.

عندما التقت "آن سوليفان" هيلين اطمأنت إلى أن ذكاء هيلين ليس محدودًا وإنما هي أذكى من في البيت، لقد راوغت سوليفان

وحبستها في الغرفة، لكنها اكتشفت أن لديها إعاقة أقوى وأشد بؤسًا من فقدان الحواس الثلاث هي حنان "آل كيلر"، لقد تفننوا في

تدليلها كتعويض عن الإعاقة حتى جعلوها شخصية مركزية يدور الجميع حول رضاها، وهي لا ترضى أبدا.

صبيحة وصول "آن سوليفان" منزل ومزرعة آل كيلر، أدركت أن تدليل العائلة لـ"هيلين" وصل مستوى يستحق التسجيل كبراءة اختراع،

تجلس سوليفان مع العائلة على مائدة الإفطار، بينما تدور هيلين حول المائدة تكبش بيدها من الطبق الذي تريده، العائلة معتادة على

ذلك وحلت المشكلة بتغيير الطبق الذي تكبشه هيلين، العائلة مكونة من أربعة أفراد، الأب والأم وجيمس أخو هيلين من الأب والعمة

(إيف)، أي متوسط تكرار الوجبة 13 مرة. رفضت سوليفان تغيير طبقها الأول، وطلبت الانفراد بـ"هيلين"، أغلقت الأبواب معلنة بداية

أول جولة في حرب الترويض بين التلميذة والوطواط، الجولة استمرت خمس ساعات، خرجت بعدها هيلين منهكة تماما لا تكاد تلتقط

أنفاسها، مستسلمة لحضن أمها، سوليفان كانت في نفس الحالة وهي تقول لـ"كاثرين" أم هيلين، الغرفة مدمرة تمامًا لكن هيلين أكلت

من طبقها وبالملعقة وطوت منشفتها دون مساعدة.

                                                                                             هيلين كيلر وآن سوليفان1887 Embed from Getty Images  

تصرخ سوليفان في آل كيلر: الشفقة هي الشيء الوحيد الذي لا تحتاجه هيلين، إنها تنمي وحشيتها وتزيد خطرها، الشفقة أكثر ما يثير

جنون سوليفان، تحمل نفسها ذنب انهيار وموت شقيقها الوحيد جيمي – 12 سنة - أفرطت في الإشفاق عليه وفعلت معه ما يفعله آل كيلر

مع هيلين، تحملت عنه كل شيء فكان أضعف من أن يكون ابن حرمان، ليس لدى سوليفان أي نية أو استعداد لتكرار الخطأ مع هيلين، لقد

أدركت أنه لا فائدة من حماية أحد والأفضل له تعليمه ما يجب أن يفعله بنفسه. هيلين تحتاج لغة، اللغة بالنسبة للعقل أهم من الضوء للعين

والصوت للأذن، كيف يمكن لـ"هيلين" أن تعرف أشخاصًا أو أشياءً وتنفذ ما يريدون بدون وجود لغة تواصل، سأعلمها اللغة، تقول سوليفان

لآل كيلر، وهم لا يفهمون شيئًا مما تقول، لغة التواصل التي تحتاجها هيلين هي دمج لغة الصم وطريقة برايل فضلًا عن التلامس، فيما بعد

ستقول هيلين: كنت أحاول أن أضع الخرز بترتيب معين في الخيط، واكتشفت أن هناك خطأ ما. ولأول مرة ركزت انتباهي وحاولت أن أفكر في

كيفية ترتيب الخرز. فإذ بالآنسة سوليفان تلمس جبهتي وترسم على كفي كلمة "تفكير"، عرفت أن هذه الكلمة هي اسم العملية التي تجري

في ذهني، وكان هذا أول إدراك واع لمعنى مجرد بالنسبة لي.

 لم يتخيل "آل كيلر" أن محاولة سوليفان يمكن أن تطول الشهر، - مفيش مشكلة إحنا لسه في أول يوم-، لكن الآنسة سوليفان طلبت ما كاد أن

يفسد التجربة قبل أن تبدأ، أن تنعزل بـ "هيلين"، إذ لا معنى ولا أمل من أي محاولة ما داما موجودين، يستطيعان زيارتها على ألا تشعر هيلين

بوجودهما. آل كيلر يريدون لأي محاولة أن تتم أمام أعينهم، يعرفون أن هيلين غير محتملة وأن أي غريب سيختلي بها هو حتمًا سيعذبها وهم

حتى لن يعرفوا إلى أي مدى تعذبت، المزرعة آمنة تمامًا فهي مليئة بالعبيد ولا أحد منهم يجرؤ على أذيتها، لكن "آن سوليفان" مهما كان

غريبة.  بعد فاصل طويل من الفصال والمناهدة، وافق آل كيلر على منح سوليفان أسبوعين فقط، وهي الفترة التي اعتبرها فيلم "صانعة المعجزة،

بطولة الطفلة" هايلي إيزنبرج- حجر أساس أسطورة الثنائي الملهم.

وافقت سوليفان على أمل أن ما ستحققه في الأسبوعين ربما يمنح آل كيلر البصيرة لمنحها مدة أطول، وانطلقت من السؤال: كيف يمكن تأديب

هيلين دون أن أكسر روحها؟

عشية أول يوم عزلة في بيت الحديقة – على بعد 10 أمتار من البيت الكبير- وجدت الطريقة، استفزاز أنانية وغيرة هيلين، فيما جفا النوم، كاثرين

أم هيلين، لم تحتمل كل هذا الهدوء الذي خلفه غياب هيلين، وفي اليوم الرابع ذهبت لتطمئن على هيلين، فوجدتها تشرب الحساء كطفلة بروتوكول،

تنبهر الأم، لكن ليس لدرجة الضعف أمام توسلات "الآنسة سوليفان" بمد الفترة، عندما شاهدت العمة "إيف" هيلين تجلس ساكنة على كرسي قالت:

لابد أن تكون "الآنسة سوليفان" ملاكًا من السماء. انتهت المدة وسوليفان تمشي رفقة جيمس إلى البيت الكبير لاحتفال آل كيلر بـ "هيلين" الأليفة،

الكل جاهز للعرض، يسألها جيمس: هل تشعرين بالفشل وخيبة الأمل، وترد: هذه المرة نعم. يسألها عن نصيحة تنقذه من تعاسته وحقده على والده

لتفضيله هيلين، ترد: لم يكن لدي أب لأقدم لك النصيحة، أنا آخر من يصلح لهذه النصيحة، كل ما أعرفه أن عليك مواجهة العالم الذي هو أكبر من والدك.

"الآنسة سوليفان" تشعر بالقهر، لقد أحبت هيلين، وأرادت أن تنقل لها كل ما تعرفه في أسبوعين، لكنها بحكم ضيق الوقت لم تعلمها إلا ما يجب

ألا تفعله، لم تتعلم ما يجب أن تفعله، تعلمت ما يندرج تحت لا، ولم تتعلم ما يندرج تحت نعم، "الآنسة سوليفان" كانت خائفة أن يضيع آل كيلر بالتدليل

ما بنته في أسبوعين وهو كثير جدًا قياسًا على ما كان، حصلت على وعد من والد هيلين أن يحافظ على إضافتها، لكن الوعد لم يكن مطمئنا.

   Embed from Getty Images  هيلين كيلر مع الرئيس الأمريكي ايزنهاور عام 1950                                                                     

 في الاحتفال بـ "هيلين" الأليفة، نسي الأب الوعد الذي قطعة على نفسه أمام الآنسة "آن" قبل ساعة، سوليفان أدركت أن الحفل سيتحول إلى اختبار لهم

من هيلين لتعاود ما كانت عليه قبل مجيء "آن"، ترمي منشفة وأدوات الطعام، تكبش بيدها، تهرب من "آن" كمن يهرب من طاعون، وتهيم باحثةً عن

الأم. قهرًا تستسلم "آن"، إنها ابنتهم وليس بيديها أن تثنيهم عن إعادتها للبدائية والعدم بالتدليل، تركت هيلين لـ" كاثرين" وواصلت تناول الطعام قبل

الرحيل، ترميها هيلين بدورق الماء، فتخرج "آن" عن حدود المخدوم وتحمل هيلين عنوة، يسألها الأب إلى أين؟ فتقول لابد أن تعلم هيلين كيف امتلأ

هذا الدورق بالماء حتى لا تفعل مرة أخرى، وإن فعلت فعليها أن تملأه هي. الماء كان الكلمة التي فشلت سوليفان في توصيلها لـ "هيلين" وكانت بالنسبة

لها أهم كلمة، الماء كان آخر شيء يطلبه شقيقها ومنعت من أن تسقيه خشية انتقال الطاعون إليها.

أخذت هيلين إلى طلمبة المياه، عرفت الماء وكم أن وصوله مرهقًا، ستجري رفقة سوليفان يكتشفان الأرض، والشجر والزهور، عرفت الخطر وضربت

أجراس الإنذار المعلقة في مدخل البيت، وكم كانت تتسبب في فزع أهلها، إنهم يدقون الأجراس دائمًا كأنهم يعيشون أطول يوم أحد عرفته البشرية.

تركن هيلين على كتف أمها ثواني ثم تطلب منها مفاتيح الغرف، هذه المفاتيح كانت أمان هيلين في هذا العالم وسرها الأهم، فيما بعد ستقول: عندما

يُغلق باب السعادة، يُفتح آخر، ولكن في كثير من الأحيان ننظر طويلًا إلى الأبواب المغلقة بحيث لا نرى الأبواب التي فُتحت لنا.

تهيم بحثًا عن "آن" ولما وصلتها أعطتها مفتاح غرفتها، وطبعت قبلة على خدها ومسكت يدها، وبدأت رحلة أشهر ثنائي في التاريخ إلى قمة المجد،

كأسطورة ملهمة تزداد سحرًا وبريقا بمرور الزمن، "هيلين كيلر" كمعجزة خارقة في تحدي الإعاقة الثلاثية والوصول لأعلى المراتب العلمية، و

"آن سوليفان" كـ "صانعة هيلين كيلر".

                                                                                                       هيلين كيلر تعلم الأطفال  Embed from Getty Images  

شبيك لبيك