الحكاية فيها انت

يوم أن كره السود مانديلا !

يوم أن كره السود مانديلا ! الصورة من رويترز
حمادة حسين

حمادة حسين

شارك

عقب فوزه برئاسة جنوب افريقيا، قال نيلسون مانديلا لـ 100 ألف مواطن من ذوي البشرة السمراء:  اجمعوا بنادقكم وخناجركم

والقوا بها في البحر. ماذا يقصد مانديلا، وعن أي سلاح يتكلم ؟، تسأل الأغلبية السمراء - 38 مليون شخص - مستنكره وساخرة،

إنها اللحظة التي انتظروها أكتر من 50 سنة، كانوا فيها محكومين بسياسة " الأبارتهيد "- التفرقة العنصرية- من أقلية بيضاء

-4 ملايين شخص- تمنوا فوز رئيس أسود بالرئاسة لفتح المجال العام للانتقام الشامل، حكومة وشعب من الأقلية البيضاء.

جنوب أفريقيا علي حافة حرب أهلية منذ 20 سنة سابقة من الافراج عن مانديلا، أغلبية سوداء متنمرة في وضع الاستعداد،

وأقلية بيضاء مرعوبة من تضخم فواتير إهانة وإذلال الأغلبية، العمل في مهن وضيعة، منع حق الانتخاب وحق التملك، أجور

مهينة، عزل في كردونات بائسة، ممنوع علي السود التواجد في مناطق وأحياء البيض بعد السادسة مساء.

الأمم المتحدة قاطعت جنوب أفريقيا، ودول كثيرة فعلت ، تقريبًا جنوب أفريقيا كانت منبوذة، يقاطعها الجميع- اخر 15 سنة-

من الحكم العنصري والتي وصل فيها الصدام مرحلة الهيستيريا، خاصة بعد أرواح التلامذة التي راحت بمنتهي القسوة في

انتفاضة " سوتو"، وقتل الشرطة " ستيف بيكو"- 30 سنة - أيقونة جنوب أفريقيا الثانية، الذي أعاد احياء حركة " الوعي

الأسود".  السود يتخيلون أن ما قاله مانديلا لحظة فوزه بالانتخابات الرئاسية هو كلام رؤساء في المحافل العامة، مجرد تسكين

، لكن ما سيحدث علي أرض الواقع هو الانتقام.

                                                                                 الصورة من فيلم Invictus

يسجل فيلم  "invictus "، بطولة مورجان فريدمان، ومات ديمون،  أول يوم لمانديلا في مقر الرئاسة، حين دخل عليه قائد حرسه

الخاص غاضبًا وقال له بحدة أن هناك أربعة من البيض يدعون أنه تم تعيينهم ضمن حرسك الخاص، فقال له مانديلا هذا صحيح،

أنتم  - الحرس الخاص - تمثلونني بشكل مباشر، ولابد أن تمثلوا اللونين، أمة قوس قزح تبدأ من هنا، يرد رئيس الحرس: إنهم

كانوا يقتلوننا بالأمس، ويعقب مانديلا : سامحهم ، التسامح يحرر الروح.

يبدو أن مانديلا جاد في طلبه من أبناء لونه أن يلقوا بأسلحتهم في البحر، هو مؤمن بأن بلاده لن تقفز إلى الأمام، وتكون دليل

القارة نحو الديمقراطية إلا إذا تجاوز الـ 39 مليون أسود عن شهوة الانتقام، وإذا لم يحدث ذلك وغلبت الشهوة فإنها ستكون دليل

القارة نحو مستويات غير مسبوقة من الرعب والترويع، كان جاهزًا بقانون يجمع الظالم الأبيض بالمظلوم الأسود في وجود لجنة

قانونية، وبعد ثبوت الجرم علي الأبيض والحق للأسود، يطلب من الأخير المسامحة والغفران ، حاجة كده شبه المطلوب للثأر في

الصعيد عندما يأخذ كفن وسكين ويضع رقبته تحت تصرف أصحاب الثأر- مانديلا يريد لجنوب أفريقيا أن تكون أمة قوس قزح،

لا أمة الأبيض والأسود، لكن كيف السبيل لذلك وهي تحتاج معجزة تقنع الشعب  أنه قادر علي تجاوز ميراث الذل والهوان.

هذه الأمة تحتاج أمجاد

الأطفال السود شبه العرايا يقفون طابور طويل من أجل الفوز بأي قطعة ملابس من تلك التي جمعتها سيدة مسنة من البيض

الأغنياء، تقول للطفل الذي جاء دوره أنه محظوظ لأنه سيأخذ تيشيرت منتخب الرجبي، يرفض الطفل التيشيرت بينما السيدة

البيضاء مذهولة، تسأل سيدة سمراء تساعدها في التوزيع عن السبب ، فتخبرها بأنه إذا أخذها فإن بقية الأطفال سيضربوه

بلا أدني شفقة وسينبذونه، كل السود يكرهون منتخب الرجبي. مانديلا نفسه كان يشجع أي منتخب آخر يلاعب منتخب بلاده!

منتخب الرجبي هو أقوي ممثل لسياسة الفصل العنصري بشعاراته وألوانه الأخضر والذهبي، وكان الأزرق والأبيض هي ألوان

جنوب أفريقيا، ليس في الفريق إلا لاعب واحد أسود يدعي تشيستر ويليامز، كانوا يسمونه فريق "الغزلان " لا منتخب جنوب

أفريقيا. في اليوم الثالث لفوز مانديلا يحضرمباراة منتخب الرجبي ضد منتخب انجلترا، صافح اللاعبين وتمني لهم الفوز، لكن

المباراة انتهت قبل موعدها بسبب ضعف مستوي "الغزلان".  ابنته تثورفي وجهه وتعنفه لأنه صافح لاعبي الرجبي ، تذكره أن

هؤلاء-البيض- طردوهم من المنزل حين كان هو في السجن. البيض وصفوا منتخب الرجبي – سفيرهم - بالخراف المذبوحة

وطالبوا بتسريحه، فيما تعاملت الأغلبية السوداء مع النتيجة علي أنها منحة السماء لهم للالتفاف علي قانون المسامحة بعد

الحساب ووجدوا في إلغاء منتخب الرجبي فرصة للانتقام، اجتمع أكثر من 300 أسود من الضالعين في السياسة والرياضة

للتصويت علي قرار الالغاء وكان هناك ما يشبه الاجماع . مانديلا يرفض حل المنتخب أو تبديل ألوان ملابسه وشعاراته، يقرر

الذهاب إلي الاجتماع، تناشده سكرتيرته أن لا يذهب، تصرخ فيه: أنت تغالي في استرضاء الأقلية البيضاء، أرجوك لاتفعل ذلك

بنفسك، أنت تخاطر بحكومتك ووزرائك ومنصبك وبرصيدك كزعيم سياسي. يصل مانديلا ،يخطب في الحضور، يعاود التأكيد

علي أنه لايوجد في هذه الأمة من هو أحق منه بالانتقام، لكنه لن يسمح بأن يأكل شعب جنوب أفريقيا نفسه، يسألهم من

منهم يقف معه في عدم إلغاء منتخب الرجبي ويوافقه 12 فقط . - الرقم محرج لسحراسطورة مانديلا- ، سكرتيرته تعايره به

وتقول له: نحن نقاطع مشاكل الدولة لصالح إرضاء الأقلية، ويرد عليها بأن الرقم كبير وأنه كان يتمني صوتًا واحدًا، يؤسس

عليه فكرته، هذه الأقلية تتحكم في مفاصل الدولة، ولامعني أو فائدة من متابعة أي مشكلة دون التحكم في هذه المفاصل.

 مانديلا كان يعلم أن بطولة كأس العالم للرجبي القادمة بعد سنة – 95 – تنظمها جنوب أفريقيا، وهذا يضمن مشاركة بلاده

بدون تصفيات، البطولة يشاهدها 3مليار شخص، وفوز منتخب بلاده بالبطولة سيكون ملهمًا لجنوب أفريقيا لتجاوز ميراث

50 سنة تفرقة عنصرية، استدعي كابتن الفريق " فرانسوا بيار" وطالبه بالفوز بالكأس، طلب من وزير الرياضة نزول اللاعبين

إلي تجمعات السود، واللعب معهم لجذبهم للعبة، هنا سيكون اللاعب الأسود "تشيستر" حصان طروادة الذي ينفذ من خلاله المنتخب

إلي قلوب الأغلبية.  حلم الفوز بالبطولة يتسرب للجميع ، لكن كيف يمكن ذلك في ظل تواضع مستوي فريق الغزلان وقوة المنتخبات

 المشاركة، هذا بخلاف القوة الخرافية التي كان عليها منتخب "نيوزيلندا"، والتي استدعت أن يطلب مانديلا من وزير الرياضة تقرير 

تفصيلي عن هذا الفريق، ومنه عرف أن منتخب "نيوزيلندا هزم  أيرلندا 43 – 19، هزم ويلز 34 – 0، هزم اليابان 145– 17، 

هزم اسكتلندا 48 – 13 في ربع النهائي ، هزم انجلترا 45 –29  في النهائي وكانت مباراة من جانب واحد -معظم مبارياتهم تنتهي

 قبل صافرة البداية-

مانديلا : يبدو أنهم لا يقهرون، وزير الرياضة: إنهم يملكون رقصة "هاكا" القتالية التي تثير الرعب في الخصوم.

عشية مباراة النهائي التي تجمع "نيوزيلندا " وجنوب أفريقيا، كان كابتن الفريق شاردًا كأنه في غيبوبة، تسأله زوجته عما إذا

كان خائفًا من نيوزيلندا؟، يرد : كيف لهذا الرجل المحبوس -30 سنة- أن يخرج ليسامح بهذه البساطة.

الأجواء قبل المباراة كانت هيستيرية، المدرجات كاملة العدد، ومن لم يدخل يبحث عن مكان يشاهد فيه المباراة، جنوب أفريقيا

عن آخرها مرهونة للمباراة إلا الطفل الذي رفض أخذ تيشيرت المنتخب، يبدو كجائع يفتش في نفايات الجماهير عن شيءِ يأكله،

 لكنه كان يلف ويدورحول سيارة شرطة للبيض محاولاً متابعة المباراة عبر مذياع السيارة.   

وفيما يشبه المعجزة سيحقق منتخب جنوب أفريقيا اللقب، البيض سيرفعون الطفل الأسود، المذيع يسأل كابتن منتخب جنوب

أفريقيا، هل كنتم لتحققوا البطولة لولا تشجيع ال 62 ألف الموجوين في الاستاد، ويرد بأننا لم نكن نحتاج تشجيعهم فهناك

43 مليون جنوب أفريقي يشجعوننا . الكل أبيض وأسود ومابينهما يهتف باسم مانديلا وجنوب أفريقيا مما يزيد الأمل في نجاح

فكرة المحاسبة والغفران.

أمم أفريقيا 1996

الرجبي رياضة عبيد يلعبها الملوك، وكرة القدم رياضة ملوك يلعبها العبيد. هكذا كانت قناعة جنوب أفريقيا، وبعد الفوز بكأس العالم

للرجبي جاء الدور علي منتخب كرة القدم المحسوب علي الاغلبية السمراء للفوز بأمم أفريقيا 96 التي تنظمها جنوب أفريقيا، منتخب

كرة القدم ليس فيه لاعبين بيض إلا اثنين، أحدهما " مارك فيش " - 22 سنة - قال لوكالات الإعلام، العالمية المبهورة بفوز جنوب

أفريقيا بالكأس " لقد صدقنا أننا قادرون على صنع المعجزة".

عدد من الشخصيات المهمة انتقدوا اهتمام مانديلا بالبطولتين – كأس العالم للرجبي وأمم أفريقيا- بأنه يصنع مواطن عمره 90 دقيقة

هي مدة المباراة.

جوهانسبرج 98 

تنتهي الولاية الأولي لمانديلا، يحاول الوصول لمرحلة الكمال ويعلن في الحضور أنه لاينوي الترشح لفترة رئاسة ثانية، أو أي منصب

سياسي، غادر وقد حقق الكثير من أهدافه، جنوب أفريقيا تسير علي طريق الديمقراطية رغم أي سلبيات طالت فكرة المحاسبة

والغفران، لكنها كانت بداية رائعة أمكن التأسيس عليها لأن تصبح جنوب أفريقيا -رغم كل المشاكل واشباح العنصرية - أقرب نموذج

أفريقي للديمقراطية.

                                                                                                                          الصورة من فيلم Invictus


اقرأ ايضاً


التعليقات

  • oluyozaq

    http://doxycycline-cheapbuy.site/ - doxycycline-cheapbuy.site.ankor <a href="http://onlinebuycytotec.site/">onlinebuycytotec.site.ankor</a>

    awalibuyom

    http://doxycycline-cheapbuy.site/ - doxycycline-cheapbuy.site.ankor <a href="http://onlinebuycytotec.site/">onlinebuycytotec.site.ankor</a>

    ikupdog

    http://doxycycline-cheapbuy.site/ - doxycycline-cheapbuy.site.ankor <a href="http://onlinebuycytotec.site/">onlinebuycytotec.site.ankor</a>

    omunokabeepi

    http://doxycycline-cheapbuy.site/ - doxycycline-cheapbuy.site.ankor <a href="http://onlinebuycytotec.site/">onlinebuycytotec.site.ankor</a>

اترك تعليق

شبيك لبيك