الوجه الآخر

وودز-بيكو..ارفع راسك فوق انت أسود

وودز-بيكو..ارفع راسك فوق انت أسود
حمادة حسين

حمادة حسين

شارك

"دونالد وودز"، وهو رئيس تحرير أقوي وأشهر جريدة في البلد - حفي موافقات أمنية - علشان يقابل "ستيف بيكو" ، ليس

بحثًا عن انتصار صحفي، إنما أملاً في أن يلعب دور رسول الهداية لترويض طاقات الحقد التي تأكل روح ستيف بيكو، دونالد

يكره ستيف ويراه مُنشط شديد الفاعلية لتحريض السود ضد البيض . دونالد، ليبرالي ، متعاطف مع سود جنوب أفريقيا،

يطالب بتحسين شروط الحكم العنصري، لكن ليس لدرجة المساواة!، هو مقتنع أن السود لو كانوا مكان البيض لفعلوا

نفس الشيء، هكذا ردعلي ستيف حين قال له: لكم القصور والتعليم  والمرسيدس، ولنا المهن الوضيعة وخدمة العبيد. 

                                                                 لقاء بيكو التلفزيوني الأخير مع التلفزيون الألماني   

ستيف بيكو–26 سنة–يعيش في كوخ خشب، الزنزانة أكثر إنسانية منه، رهين الحكم بخمس سنين حظر،  ممنوع عليه مخاطبة

أو مخالطة أكثر من شخص في وقت واحد، مخالفة الحظر تعرض ستيف للسجن مدي الحياة إذا كان القاضي رحيمًا، أو الإعدام

وهذا ما يتمناه البيض. ستيف كان بارعًا في التحايل علي الحظر، هرب ودونالد وودز إلي العشش التي يعيش فيها السود. دونالد

- 42 سنة -لا يصدق ما يراه. مستويات البؤس تجاوزت ما كان عليه زنوج أمريكا في سنين العبودية، يقول له ستيف بيكو هنا -

حيث يعيش أهلي - يمكن لطفل أقل من عشر سنوات أن يُقتل بلا شفقة لمجرد أن معه  3 قروش . ستيف بيكو ولد قبل تطبيق

الحكم العنصري - أبارتايد- بسنتين، وهذا الحكم لايسمح للسود بالتعليم إلا فيما يرفع مستوي خدمتهم للبيض، من أين إذن أتي

بكل هذه البلاغة، ثم كيف وهو في هذا السن الصغير أعاد إحياء حركة "الوعي الاسود"؟.. يسأل "دوناد وودز" رفقاء وأصدقاء

ستيف مذهولاً في محاكمته التي استغرقت 17 شهر، يقول القاضي لـستيف: الأسود رمز النبذ، نحن نقول الخروف الأسود للتحقير

فلماذا تدعون أنكم سود مع أن البني هو لونكم؟ يرد ستيف : مثلما تدعون أنتم أنكم بيض رغم أن الزهري هو لونكم. ستيف كان

سريع البديهة، لم يكمل دراسته للطب، الأقلية البيضاء الحاكمة تطرده مع أي فوران يحدث من جانب السود، ينظرون له كزعيم

يتحكم في السود كعرائس ماريونيت، هو - بالتأكيد-  ليس كذلك، لكنه الفارس الأول في مناهضة العنصرية الآن ، والأقرب إلى

لقب أسطورة جنوب أفريقيا الأولي، كان أكثر بريقًا وحضورًا وتأثيرًا من مانديلا  الذي يقاوم النسيان والتلاشي في السجن .

 الصورة من فيلم Django Unchained

5 آلاف أسود تظاهروا  ضد قوانين الاحتجاز ومنع السود من دخول المدن، الشرطة أطلقت الرصاص الحي عليهم، وقتلت 289 شخص

- بينهم 29 طفل-  البقية تعانى إصابات بالظهر، حيث طاردهم الرصاص وهم يحاولون الهرب . فعل دموي فائق الوحشية مشهور

باسم " مذبحة شاربفيل " جعلته جنوب أفريقيا - فيما بعد - عطلة  رسمية  تخليدًا لحقوق الإنسان. اليونسكو اختارته اليوم العالمي  

للقضاء على التمييز العنصريفي هذا اليوم ألغيت حركة "الوعي الأسود" وتم اعتقال قادة المؤتمر الوطني ومنهم مانديلا، حتي

جاء  ستيف بيكو بعد 12 سنة وأحياها علي أصلها كما تأسست بين زنوج أمريكا. الحركة ملأت الفراغ السياسي الذى خلفته اعتقالات

قادة المؤتمر الوطني، وتم تعين ستيف أول رئيس منتخب لها . ستيف بيكو يرفض فكرة أن السماء لعنت البشرة السوداء بالعبودية،

والحقيقة أن الرجل الأبيض لطمع اقتصادي نجح عبر "ارساليات التبشير" في تأصيل الاحساس بالدونية لدي السود. كثيرون من السود

والبيض صدقوا وربما آمنوا بالكذبة المنسوبة للسماء. إيمان قبيح يعكس بشاعته ليوناردو دي كابريو في فيلم -Django Unchained -

عندما أخرج جمجمة من حقيبته وقال للحاضرين أن هذه جمجمة العبد الذي ربي والده وجده، لقد ظل 50 سنة يحلق ذقن والدي، لم يفكر

مرة في ذبحه اعتراضا علي عبوديته، ولو كنت أنا مكانه لفعلتها عند المرة الثالثة، يواصل : في خلفية الرأس يوجد ثلاثة فصوص، الفص

الثالث هو ما يحتوي الاختلاف بين الأبيض والأسود، فهو عند البيض خاص بالابتكار والابداع كما هو حال جاليليو ونيوتن، وعند الأسود

خاص بالخضوع والخنوع . يؤمن ستيف بيكو – حسب دراسة في نظريته للباحثة عبير الفقي-   أن الرجل الأبيض أشاع نمط ثقافي يخالف

ما كان سائدًا في المجتمعات الأفريقية، بدعوى أن الثقافة الأفريقية ساكنة لا تتحرك، بينما الثقافة الأفريقية تحتوى على قيم الجماعة

ولا تتسم بالأنانية وتلعب الروحانيات دوراً في تشكيل قيمها، كما أنها تهتم بالإنسان. هذا جهل مخيف ومحفز علي اليأس والضياع، وجهل

المقهورين - كما يقول ستيف بيكو- هو أقوى سلاح في يد القاهرين، والسبيل الوحيد للخروج من كهف العبودية والعنصرية هو أن

يتفوق السود علي البيض لا أن يتساووا بهم، لأنه دون تفوق لن تكون هناك مساواة، فقط مجرد دمج بين اللونين بما يضمن ويحافظ

علي ترسيخ دونية السود. يسخر ستيف بيكو من دونالد وودز بأن السود يعملون في مهن وضيعة لدي البيض، يأخذون أجور زهيدة

إذا وفروها وضعوها في بنوك البيض، وإذا أنفقوها فإنها تذهب إلي محلات البيض. تفوق السود - حسب رؤية ستيف - لن يكون إلا

انطلاقًا من هذا الإحساس بالدونية، لابد ان يكون هذا الإحساس حافزنا للتفوق . ستيف يأخذ معاناة السود إلى منطقة أبعد من مانديلا

ومارتن لوثر كينج وبقية المناضلين الذين أفنوا حياتهم من أجل مواطنة كاملة ودمج حقيقي، منطقة تجعل من ستيف الأقرب إلي

قلوب السود، أقرب حتي من مانديلا ومارتن لوثركينج. هو مسالم مثلهم لكن ليس إذا وصل الأمر للإهانة والذل، فقد كان الاسلوب

المعتمد في مناهضة العنصرية والعبودية، أنه عندما ينهال مجموعة من البيض بالضرب علي شاب أسود فإن السود يلقون بأنفسهم

فوق هذا الشاب ويتركون ظهورهم للبيض يضربون حتي ترهقأياديهم ، ستيف رد لقائد الشرطة الصفعة  حين بادره بالضرب، هو

يطل من برج مختلف تحكمه نظرة التحدي الغاضب التي تطل من وجه سيدني بواتييه، أوبرا وينفري، جايمي فوكس، والتميمة الأهم

بين السود توباك شاكور، وكم كان فيلم " cry freedom " موفقًا في اختيار دينزل واشنطن ليلعب شخصية ستيف بيكو، ثمة رابط

قوي بين فكر ستيف بيكو وطلة التحدي والتعالي التي تفرض نفسها علي محيا دينزل واشنطن بشكل عام .  

صورة نادرة تجمع دونالد وودز وستيف بيكو

يتحايل ستيف بيكو علي حكم الحظر من أجل السفر إلى مدينة أخري لمتابعة انتفاضة الطلبة في "سوتو"، هم طليعة حركة الوعي

الأسود -وفق صياغة ستيف-، رفضوا أن يفرض عليهم البيض التعليم باللغة "الأفريكانية"، الأوراق المزورة جاهزة لسفر ستيف

إلي مسرح الأحداث، كمائن الشرطة منتشرة علي المداخل  لمنع التوافد، يستوقف الضابط السيارة، يقلب في الباسبور المزور الذي

يحمله ستيف، يسأله عن اسمه كما هو مدون في "الباسبور"، وبعد تفكير ثوان يستنكف ستيف ترديد الاسم المزيف كبريائه أوعقدة

النقص دفعته لأن يفضح نفسه وينطق باسمه، هذه هي المرة الثالثة والأخيرة في سلسلة اعتقال ستيف بيكو.

في السجن حرموه من الطعام ودورة المياه، ضربوه حتي نزف مخه، ثم كان السبب الرسمي لوفاته أنه اضرب عن الطعام، في

المحكمة كان البيض يهتفون لديمقراطية الحكم العنصري الذي سمح لستيف بالاضراب عن الطعام .

قتل ستيف بيكو سيصل بالحكم العنصري إلى نهايته الرسمية علي الأقل خلال السنوات العشر القادمة، وسيأخذ دونالد وودز إلى

المجد  والخلود.

     الصورة من getty images

الصحفي  الآمن صاحب الأيدي الناعمة كان قد وقع في أسر ستيف بيكو، وبدأ يتعامل مع الأمر علي أنه لا مفر من 

إلغاء الحكم العنصري وإلا غرقت جنوب أفريقيا في دوامة دم لا تتوقف أو تنتهي. كان دونالد مرعوبًا من أن يختار السود العنف

طريقة لمناهضة العنصرية، وقد لمع العنف كطريقة بعد قتل ستيف بيكو، أحد البيض المرموقين يعاير دونالد بالانجذاب لأفكار

ستيف، ويرد هو: لو أن السود يمتلكون حكمة ونضج ستيف ماخفت علي جنوب افريقيا من انفجار الأبانوس.

وقف دونالد علي خط النار في مواجهة البيض عندما قرر أن يسرد ما حدث لستيف في كتاب، منع من السفر، حكم عليه بالحظر،

أرسلوا لأطفاله تيشرتات عليها صورة ستيف تحمل مواد كاوية حرقت جلودهم فور أن ارتدوها . لم يكن هناك سبيلاً أمام دونالد إلا

الهروب وعائلته من جنوب أفريقيا، سيتنكر في هيئة راهب، والعائلة ستسلك طريق آخر علي ان يلتقوا في بتسوانا ومنها يمكنهم

السفر واللجوء إلي دولة أخرى، التجربة كانت ميلاد جديد لدونالد وعائلته، لقد أصدر الكتاب – Bounds of Possibility- تفاعلت أمريكا 

وانجلترا معه بالضغط علي حكومة جنوب أفريقيا لكشف ملابسات موت ستيف بيكو. الدولتان - فيما يبدو- كانتا تحاولان غسيل

تاريخهما المخجل في التعامل مع السود، خاصة مع إدراكهما أن الحكم العنصري في جنوب افريقيا لن يصمد طويلاَ في ظل أغلبية

سوداء، نسبة البيض بينهم أقل من الربع. التحقيقات كشفت أنه تم تعذيب ستيف بمنتهي الوحشية، قيدوه بسلاسل حديد، تُرك عاريًا

لفترات طويلة، الطبيبان اللذان توليا علاجه أهملا فيه وتركاه يموت بقلب بارد. هناك من اتهم رؤية ستيف بيكو لحركة " الوعي الأسود"

بأنها دعوة لعنصرية السود، في مواجهة عنصرية البيض، وأن مقولة "دونالد وودز" له بأن السود لوكانوا مكان البيض لفعلوا نفس

الشئ، لكنه نفي ذلك بتأكيده علي أن التفوق الذي يدعو له متعدد المجالات وليس من بينها أي دعوة أو اتجاه للعنف.

وماذا إذا انقلبت الأحوال وتفوق السود، كيف يتعاملون وقتها مع البيض؟.. يجيب ستيف بيكو: لن ننتقم، فقط سنتجاهلهم.

   دونالد مع كتاب بيكو

شبيك لبيك